محمد عزة دروزة
234
التفسير الحديث
والحقيقة أن هذا هو من قبيل المساجلة والجدل كما تلهم روح الآيات القرآنية وصيغتها . فالتكذيب القرآني لأساس الفكرة أي لاتخاذ اللَّه أولادا قاطع وحاسم . غير أن العرب لما كانوا يكرهون ولادة البنات على ما حكته عنهم آيات عديدة في سياق مجادلة المشركين في هذه العقيدة وتسفيه عقولهم منها آيات سورة النحل هذه : ويَجْعَلُونَ لِلَّه الْبَناتِ سُبْحانَه ولَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ‹ 57 › وإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثى ظَلَّ وَجْهُه مُسْوَدًّا وهُوَ كَظِيمٌ ‹ 58 › يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِه أَيُمْسِكُه عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّه فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ‹ 59 › لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّه الْمَثَلُ الأَعْلى وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‹ 60 › سلكت الآيات سبيل التأنيب في مساجلتهم تسفيها لعقولهم وسخرية من تناقضهم إذ يفضلون الذكر ويسيغون أن يكون للَّه غير المفضل . وقد علَّقنا بما فيه الكفاية على عقيدة الكفار في الملائكة وكونهم بنات اللَّه وعبادتهم لهم ليكونوا شفعاء لديه في سياق تفسير سورة النجم فلا نرى ضرورة للإعادة . غير أننا ننبه إلى أن مضمون الآيات هنا يلهم أن العرب المشركين كانوا يرون أنهم على حقّ في عقيدتهم هذه وكانوا يجادلون عنها بقوة وعناد ، فتحدتهم الآيات بقوة مماثلة وشددت عليهم بالتسفيه والسخرية . وجَعَلُوا بَيْنَه وبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً ولَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ‹ 158 › سُبْحانَ اللَّه عَمَّا يَصِفُونَ ‹ 159 › . في الآية الأولى إشارة تبكيتية إلى عقيدة من عقائد المشركين ، وهي زعمهم بوجود نسب بين اللَّه والجنة . وردّ تكذيبي عليهم في صورة تقرير كون الجنة يعلمون أن قائلي هذا الزعم محضرون إلى عذاب اللَّه يوم القيامة ، واحتوت الآية الثانية تعقيبا تنزيهيا عما يصفه المشركون ويزعمونه . والمتبادر أن الآيتين غير منفصلتين عن السياق ، وقد جاءت تحكي عقيدة أخرى من عقائد المشركين بالإضافة إلى ما ذكرته الآيات السابقة عنهم .